الاقتصاد القطري في 2025 تثبيت الاستقرار وتمهيد لمرحلة توسع مدروسة
وسط اضطراب عالمي
دخل الاقتصاد القطري عام 2025 وهو يواجه بيئة دولية شديدة التعقيد اتسمت بتراكم أزمات جيوسياسية واقتصادية متداخلة كان أبرزها استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وما رافقها من إعادة رسم لأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية إضافة إلى العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وتداعياته الإقليمية والدولية التي ألقت بظلال من عدم اليقين على حركة التجارة والاستثمار وثقة الأسواق.
ورغم هذا السياق المضطرب حافظ الاقتصاد القطري على مسار نمو متوازن نسبياً يمكن توصيفه بمرحلة انتقالية واعية تستند إلى قاعدة مالية قوية وقطاع طاقة ذي قدرة تنافسية عالمية ورؤية استراتيجية طويلة الأمد لم تتأثر بتقلبات المشهد الدولي.
وفي هذا الإطار أكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في خطابه أمام مجلس الشورى في أكتوبر تشرين الأول الماضي أن الاقتصاد القطري واصل أداءه الإيجابي رغم تقلبات الاقتصاد العالمي وهو ما عكسه اعتماد الموازنة العامة لعام 2026 بإيرادات متوقعة تبلغ 199 مليار ريال ومصروفات قدرها 220.8 مليار ريال بزيادة تقارب 5 بالمئة عن العام السابق في نهج يجمع بين الانضباط المالي والاستمرار في تمويل المشاريع التنموية الكبرى.
ويرى خبراء ومحللون أن عام 2025 مثّل سنة “الاستمرارية المعيارية” للاقتصاد القطري القائم على ثلاث ركائز أساسية هي الملاءة المالية والسيادية والريادة في قطاع الطاقة إلى جانب التحول الرقمي المتسارع. ويتوقع هؤلاء تسارع وتيرة النمو خلال عام 2026 لتتراوح بين 4.5 و6.5 بالمئة مع بدء جني ثمار التوسعات الرئيسية في حقل الشمال للغاز الطبيعي بما يعزز السيولة ويدعم القطاعات المرتبطة ويكرس موقع قطر كنموذج لاقتصاد صغير مفتوح قادر على تحويل الأزمات إلى فرص.
وفي حديث لـ”العربي الجديد” وصف الأكاديمي والخبير الاقتصادي عبد الرحيم الهور أداء الاقتصاد القطري بأنه يندرج ضمن منطق الاستمرارية المدروسة للسياسات الاقتصادية الناجحة مشيراً إلى أن الهدف خلال 2025 لم يكن تحقيق قفزات سريعة بل ترسيخ الاستقرار الكلي وإدارة المخاطر بكفاءة. واعتبر أن النمو الذي سجل نحو 2.5 بالمئة يعكس نهجاً حذراً ومخططاً مهد لمرحلة توسعية مرتقبة مع بدء تشغيل مراحل أساسية من توسعات حقل الشمال التي سترفع إنتاج الغاز من 77 مليون طن سنوياً إلى نحو 110 ملايين طن بنهاية 2026.
وفي موازاة ذلك واصلت القطاعات غير الهيدروكربونية لعب دور متزايد في دعم النشاط الاقتصادي ولا سيما قطاعات الخدمات والنقل واللوجستيات والسياحة والعقار مستفيدة من بنية تحتية متقدمة وسياسات استثمارية مرنة وانفتاح تجاري محسوب. ويؤكد خبراء أن هذا التنويع النسبي عزز قدرة الاقتصاد القطري على امتصاص الصدمات الخارجية رغم بقاء الغاز الطبيعي المسال العمود الفقري للاقتصاد الوطني ومصدر الفوائض المالية الرئيسية.
وسجل الاقتصاد القطري نمواً معتدلاً في حدود 2.5 بالمئة خلال 2025 مع تباطؤ نفطي تحضيري يقابله زخم واضح في القطاعات الخدمية واللوجستية والسياحية فيما احتلت قطر المرتبة الثانية عالمياً في تصدير الغاز الطبيعي المسال خلال أكتوبر تشرين الأول 2025.
من جانبه أكد الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة قطر جلال قناص أن الاقتصاد القطري تجاوز مرحلة التعافي إلى مرحلة النمو المستدام موضحاً أن عام 2025 كان عاماً للتحضير للنقلة النوعية عبر إرساء الأسس المالية والتشغيلية لتوسعات الغاز الضخمة بالتوازي مع انضباط مالي عزز الموثوقية الائتمانية للدولة.
وحدد قناص ثلاثة محركات رئيسية للنمو تمثلت في الملاءة المالية المدعومة برفع وكالة موديز التصنيف الائتماني لقطر إلى Aa2 بنظرة مستقرة إضافة إلى الريادة في قطاع الطاقة مع خطط رفع الطاقة الإنتاجية إلى 142 مليون طن سنوياً بحلول 2030 والتحول الرقمي الذي تستهدف الأجندة الوطنية 2030 من خلاله رفع مساهمة الاقتصاد الرقمي إلى 3.5 بالمئة من الناتج غير النفطي.
وبحسب تقارير البنك الدولي حافظت القطاعات غير النفطية على قوتها رغم تراجع أسعار الطاقة مشيرة إلى أن توسعات حقل الشمال ستشكل نقطة تحول في موقع قطر كمصدر موثوق عالمياً للغاز الطبيعي المسال. كما صنفت قطر ضمن أكبر عشرة اقتصادات عربية نمواً في 2025 مدفوعة بالاستثمار الحكومي والزخم المتواصل في قطاعات النقل والخدمات.
وفي القطاع الصناعي سجلت الصناعات التحويلية مساهمة بلغت نحو 26.84 مليار ريال في الناتج المحلي خلال النصف الأول من 2025 منها 13.44 مليار ريال في الربع الثاني وحده وذلك في إطار تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للتصنيع 2024–2030 التي تستهدف رفع القيمة المضافة الصناعية إلى 70.5 مليار ريال وزيادة الصادرات غير الهيدروكربونية إلى 49 مليار ريال بحلول 2030.
كما برزت صناعة المعارض والمؤتمرات كأحد محركات التنويع الاقتصادي حيث أسهمت في رفع نسب إشغال الفنادق بنسب تراوحت بين 15 و25 بالمئة خلال فترات الفعاليات وفق تقديرات مختصين فيما قدرت تقارير سوقية حجم هذا القطاع بنحو 2.18 مليار دولار في 2025 مع توقعات بمضاعفته بحلول 2032.
أما القطاع المصرفي فواصل أداءه الإيجابي مدعوماً بارتفاع الأصول والأرباح إذ أظهرت بيانات مصرف قطر المركزي ارتفاع أرباح البنوك المدرجة بنسبة 1.4 بالمئة في النصف الأول من 2025 لتصل إلى 15.1 مليار ريال مع أداء لافت للبنوك الإسلامية. ويرى محللون أن السياسات النقدية الرشيدة وارتفاع الاحتياطيات الأجنبية وتحسن بيئة الأعمال أسهمت في دعم الاستقرار المصرفي وتمويل نمو القطاعات غير النفطية مع توقعات بانعكاس توسعات الغاز المقبلة على مستويات السيولة ومؤشرات السوق خلال السنوات القادمة.