تاريخ التدخل الأميركي في أميركا اللاتينية: قرنان من الوصاية والانقلابات

منذ مطلع القرن التاسع عشر، رسّخت الولايات المتحدة سياسة التدخل في أميركا اللاتينية، مستندة إلى عقائد سياسية وأمنية واقتصادية، أبرزها “مبدأ مونرو”، الذي شكّل الأساس النظري لاعتبار المنطقة مجال نفوذ مباشر لواشنطن.

وعلى امتداد قرنين، تنوعت أدوات التدخل بين الاحتلال العسكري، وإسقاط الحكومات المنتخبة، والانقلابات الناعمة، مخلفة آثارا عميقة على الاستقرار وحقوق الإنسان.

إحصاءات ودلالات
دراسة صادرة عن جامعة أكسفورد عام 2019 أفادت بأن عدد التدخلات الأميركية في أميركا اللاتينية منذ عام 1800 بلغ آلاف المرات. كما وثّق تقرير استقصائي لمجلة “ريفيستا” التابعة لجامعة هارفارد 41 حالة تغيير أنظمة ناجحة بدعم أميركي بين عامي 1898 و1994، شملت تدخلا عسكريا مباشرا وغير مباشر.

من مبدأ مونرو إلى مبدأ روزفلت
أُعلن “مبدأ مونرو” عام 1823 بذريعة منع التوسع الاستعماري الأوروبي، لكنه تحوّل عمليا إلى أداة لفرض الوصاية الأميركية. وفي عام 1904، وسّع الرئيس ثيودور روزفلت هذا النهج عبر “مبدأ روزفلت”، الذي منح واشنطن حق التدخل العسكري في دول المنطقة بحجة حفظ الاستقرار، ما فتح الباب أمام احتلالات مباشرة في كوبا وهاييتي ونيكاراغوا والدومينيكان.

الحرب الباردة والانقلابات العسكرية
مع اندلاع الحرب الباردة، كثّفت الولايات المتحدة دعمها للانقلابات في أميركا اللاتينية بذريعة مواجهة الشيوعية. وأسفر ذلك عن صعود أنظمة عسكرية قمعية في دول عدة، تسببت بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وعدم استقرار سياسي واقتصادي طويل الأمد.

الانقلابات الناعمة
بعد تراجع التدخل العسكري المباشر، اعتمدت واشنطن استراتيجيات أكثر خفاء، شملت الضغط الاقتصادي، والعقوبات، وتوظيف الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، ودعم قوى محلية معارضة. وتجلّى هذا النمط في محاولات متكررة لزعزعة حكومات فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا خلال العقود الأخيرة.

الدوافع الأميركية
تتمحور دوافع التدخل حول حماية المصالح الاقتصادية، وضمان الأمن القومي الأميركي، والحفاظ على النفوذ السياسي. وتشير تقارير بحثية إلى أن الاعتبارات الداخلية في واشنطن لعبت دورا حاسما في اتخاذ قرارات التدخل، أحيانا دون وجود تهديد فعلي.

نماذج بارزة للتدخل
من أبرز التدخلات إسقاط حكومة غواتيمالا عام 1954، ودعم “الكونترا” في نيكاراغوا خلال الثمانينيات، وغزو بنما عام 1989، والانقلاب على الرئيس الهايتي جان برتران أريستيد عام 2004. كما دعمت واشنطن انقلابات غير مباشرة في تشيلي والأرجنتين والبرازيل، خلّفت آلاف الضحايا.

تكشف الوقائع التاريخية أن التدخل الأميركي في أميركا اللاتينية لم يكن استثناء ظرفيا، بل سياسة ممنهجة، استخدمت القوة الصلبة والناعمة لإعادة تشكيل أنظمة الحكم بما يخدم المصالح الأميركية، غالبا على حساب السيادة الوطنية وحقوق الإنسان في دول المنطقة.

قد يعجبك ايضا