أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب آخر جندي من قاعدة أربيل الجوية، مع نهاية عملية “العزم الصعب” التي بدأتها واشنطن عام 2014. خرج فريق كبير من العراقيين إلى الشوارع للاحتفاء باستعادة السيادة، في تزامن مع عيد الاستقلال الأول عام 1932.
لم يسقط الانسحاب على الجميع بنفس الوقع، فمقابل الفريق الذي استعجل مقدمه، ثمة مكونات أخرى انتقدت التسرع ونظرت للقرار بمشاعر مختلطة من القلق والخشية من مجاهيل الأيام القادمة.
يطرح هذا الإعلان جملة أسئلة كبرى حول دلالات القرار وتأثيراته على معادلات الداخل والخارج، وهل حقاً انتزع العراقيون سيادتهم كاملة؟ وهل خرجت الولايات المتحدة من حسابات السياسيين العراقيين على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم السياسية?
من منظور البنتاغون، يدخل الثلاثون من سبتمبر ألفين وستة وعشرين التاريخ بوصفه محطة فارقة. يمكن للعراق الاحتفاء باستعادة السيادة حتى وإن كانت رمزية، إذ انطوى فصل وُفتح آخر جديد في العلاقة الثنائية بين البلدين.
تحول الوجود العسكري الأمريكي من دعامة للأمن إلى عبء وسبب في استجرار انقسامات داخلية وصراعات مع الجوار، حيث أصبح العراق صندوق بريد لتبادل الرسائل الدامية وساحة لحروب الآخرين فيه وعليه ضد رغبة الحكومة والشعب.
يبقى سؤال هل انتهى عصر النفوذ الأمريكي أم تغير شكله؟ تشير الأدلة إلى انتقال سيف التسلط من يد البنتاغون إلى يد الخزانة الأمريكية عبر أدوات ناعمة وخشنة تؤثر مباشرة على سيادة بغداد الاقتصادية والمالية.
العراق لم يسترد سيطرته المباشرة على موارد نفطه، فلا تزال عوائده التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد تودع في حسابات الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. هذا الإملاء المالي يمنح واشنطن صلاحية التحكم بتدفقات السيولة وتأخير التحويلات عند الحاجة.
أحكمت واشنطن رقابتها على القطاع المصرفي عبر منصات صارمة، وبات بمقدور الفيدرالي تقييد شحنات الدولار تحت ذريعة مكافحة التهريب. هذا النظام أدى لأزمات حادة في سعر الصرف، بينما تبقى العقوبات عصا غليظة تُرفع ضد من يشق عصا الطاعة.
يخضع العراق لـ”الاستثناءات الدورية” لاستيراد الغاز والكهرباء من إيران، تستخدمها واشنطن كأداة ضغط لانتزاع تنازلات سياسية وأمنية. أي قرار بوقف هذه الاستثناءات قد يغرق المدن بالعتمة ويولد غضباً شعبياً يعيد إنتاج انتفاضة 2019 على نطاق أوسع.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار رويترد عربي.





