أصبح صالح رضوان وزوجته حنان أول من استقبل الرضيعة سيلا بفرح عارم، بعد أن قضى أهلها جميعا تحت الأنقاض. كانت الطفلة التي تبلغ من العمر شهرين حين خرجت حية من بين الركام، قد فقدت كل من تربطها بهم صلة قرابة.
أمضى الزوجان سبعة عشر عاماً يرقبان مولوداً طال انتظاره، وطرقا أبواب الطب حتى أعياهما الطرق. سافرا إلى مصر للعلاج قبل اندلاع الحرب بشهر واحد دون جدوى، وظلت حنان متشبثة بحبل الرجاء ولم يسكن اليأس قلبها قط.
عندما أقبلت صابرين عيد المسؤولة عن تسليم الناجين من أبناء الشهداء إلى الأسر الكافلة في وزارة التنمية الاجتماعية، حملت الرضيعة ملفوفة في قماطها ليلة عيد غير موعودة. هبّ الزوجان لاستقبالها كأنهما يتلقى الحياة بأسرها، وضماها إلى صدريهما وقد اغرورقت أعينهما من الفرح.
كان الزوجان قد قيدا اسميهما في مركز التنمية الاجتماعية طلبا لكفالة طفلة، فساق الله إليهما هذه الرضيعة. أسمياها سيلا، وهو الاسم الذي طالما منى صالح نفسه أن يرزقه الله ابنة فيسميها به. والآن أتمت سيلا عاما وشهرين.
قال صالح إن كلمة بابا من سيلا أحسن من الدنيا وكل من فيها. استهلّل عهدا جديدا يصفه بأنه الفرحة الوحيدة التي طرقت قلبه طوال عمره. منذ أن جاءت سيلا شعر بالاستقرار، وهكذا اكتمل البيت.
من سيلا الرضيعة إلى حبيبة وعدي وآخرون، ترصد الجزيرة نت حكايات صادمة لأطفال أبادت الحرب الإسرائيلية عائلاتهم عن آخرها. ساقتهم الأقدار إلى قلوب أعياها الحرمان من الولد، بل إن منهم من وُلد بعد عناء فرحل والده وبقي وحيدا.
تختلف مصائر هؤلاء الأطفال بين من وجد كنفاً دافئاً يعوضه الحرمان، وبين من وُلد لأبويه بعد طول انتظار ثم رحلا دونه. تظل قصصهم شاهداً على ما خلفته الحرب من جراح عميقة في نسيج المجتمع.
تعكس هذه الحالات الإنسانية المعاناة اليومية للأسر الفلسطينية التي فقدت ذراها، وتبرز دور الآليات الاجتماعية في محاولة لسد الثغرة الناتجة عن المأساة. تبقى الذاكرة حية بتلك اللحظات التي تحول فيها الألم إلى أمل جديد.
تستمر الجهود لرعاية هؤلاء الأطفال وتضميدهم ضمن أسر كافلة، في ظل استمرار الظروف الصعبة. تظل الحكايات الفردية جزءاً من سردية أكبر لمعاناة شعب كامل، يسعى للبقاء والاستمرار رغم كل التحديات.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار رويترد عربي.





