تُصنف المذكرات ضمن الكتابة الذاتية التي تركز على الأحداث التاريخية التي عايشها الكاتب، بخلاف السيرة الذاتية التي تهتم بالأحوال الشخصية للمؤلف. يروي صاحب المذكرات ما شاهده أو سمعه، ويكشف صفحات مطوية من التاريخ القريب، بشرط الصدق والموضوعية والابتعاد عن المبالغة العاطفية.
رغم إشكالية تحديد الحدود الأجناسية للمذكرات وتمييزها عن اليوميات أو الاعترافات، فإن خطورتها تكمن في قدرتها على استنطاق ما سكت عنه التاريخ. تسد هذه الكتابات اختلالات الذاكرة الجماعية تحت ظروف قاهرة مثل الحرب أو الاستعمار، وتساهم في إعادة بناء الماضي وتشكيل الهوية من منظور الحاضر.
لم تحظ المذكرات باهتمام كبير سابقاً، حيث بقيت في دائرة البوح الأسير ومحظورات الواقع السياسي والاجتماعي. إلا أن الانفراج السياسي في بعض البلاد العربية وازدياد الاهتمام بالتدوين الذاتي عبر الفضاء الرقمي شهدا طفرة في هذا النتاج خلال العقدين الأخيرين.
في السياق المغربي، قللت المذكرات ذات الطابع التاريخي والسياسي والفكري، لكن زعماء سياسيين صدروا كتبهم مؤخراً تميط اللثام عن معطيات مهمة. أمثلة ذلك مذكرات عبد الرحمن اليوسفي ومحمد اليازغي ومحمد بنسعيد آيت إيدر وعبد الواحد الراضي ومحمد بوستة.
تشكل هذه المذكرات مصدراً مهماً للمعلومات التاريخية، وكاشفة عما أغفلته الرواية الرسمية. تغطي مواضيع مثل مفاوضات إيكس ليبان وعلاقة الحركة الوطنية بالقصر الملكي ودور جيش التحرير وتطور اليسار المغربي وتجربة حكومة التناوب.
من بين المذكرات المغربية المهمة لا يمكن إغفال كتاب العلامة عبد الله كنون (1908-1989). شرع في كتابتها مطلع الثمانينيات، ونعتها بـ«المذكرات غير الشخصية» لأنه سجل أشياء يغفلها الناس أو يحرقونها، ليصور كيف كان المجتمع المغربي وليس حياته الشخصية فقط.
تناول كنون في كتبه الطفولة، الدراسة، الحياة والمسؤولية، والنشاط الثقافي والسياسي والاجتماعي. ربط أحداث حياته بما عاشه المغرب الحديث من عادات وطموحات، معتبراً إياها تذكرة لزمن ولأهله، رغم أن المنية عاجلته فلم يتممها.
صدرت الطبعة المتاحة عام 2020، وهي بالغ الأهمية لصاحبها الذي جمع بين السياسة والفكر والأدب والإصلاح الاجتماعي. كان شاهداً وفاعلاً في المغرب قبل الاستقلال وبعده، وقادته مواهبه إلى السبق والتفرد والانفتاح على روح العصر.
واجه كنون الاستعمار بشجاعة ووطنيته المخلصة، ونذر عمره للكفاح الوطني وإعداد الشعب لمواجهة خصوم البلاد. تتقاطع في نسيج مذكراته وقائع التاريخ والأحداث الوطنية وشواغل الفكر الإصلاحي، مما يجعلها مرجعاً حضارياً للأجيال القادمة.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار رويترد عربي.





