رويترد عربي
لم تعد منصّات عروض الأزياء الرجالية مجرّد مساحة لاستعراض القصّات والخامات، بل تحوّلت إلى ساحة سجال مفتوح حول مفاهيم أعمق، في مقدمتها الرجولة وحدودها. هذا الجدل عاد إلى الواجهة بقوة مع موسم عروض باريس الأخير، لكنه في الحقيقة كان قد انفجر قبل ذلك بعام، بسبب كنزة وردية واحدة.
ففي أواخر 2025، تحوّلت كنزة “فير آيل” بلون حلوى القطن من علامة “جي كرو” الأميركية إلى محور نقاش محتدم، ليس بسبب سعرها أو تصميمها، بل لأن لونها اعتُبر، لدى بعض الأصوات المحافظة، خروجاً على “الرجولة” كما يتخيلونها.
الشرارة انطلقت من منشور للمعلّقة المحافظة خوانيتا برودريك على منصة “إكس”، لتتسع موجة الرفض سريعاً، في نقاش لم يكن حول الموضة بقدر ما كان صراعاً رمزياً على تعريف الذكورة وحدودها. وهو سؤال بدا أكثر إلحاحاً مع انطلاق عروض الأزياء الرجالية في باريس، التي قدّمت لخريف العام المقبل خزائن تعجّ بتنانير متوسطة الطول، وألوان جريئة كالبرتقالي المحروق، والوردي المغبر، ودرجات “الماجنتا”.
هذه العروض مثّلت قطيعة واضحة مع هيمنة الألوان الحيادية التي ارتبطت طويلاً بما يُسمّى “الفخامة الهادئة” في الموضة الرجالية. علامات مثل “أورالي” اليابانية، و“أميري” الأميركية، ودار “لويس فويتون” الفرنسية، أعادت طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: من قال إن الجرأة نقيض الكلاسيكية؟
وتأتي هذه الطروحات في لحظة يشتد فيها حضور خطاب “المانوسفير” الذكوري المعادي للنساء، وتُستعاد فيها دعوات الأدوار الجندرية التقليدية، ما يضع المصممين أمام مفترق طرق، بين الاكتفاء بملابس يومية آمنة، أو الذهاب أبعد نحو تصاميم تتحدّى الذوق السائد وتفكك ثوابته.
منذ سنوات، تتجه الموضة العالمية نحو مقاربة أكثر مرونة وغيرية للنوع الاجتماعي، تفصل بين الملابس والهوية الجندرية الصلبة، وتمنح الأفراد مساحة أوسع للتعبير عن ذواتهم. هذا التحول انعكس على منصّات العرض كما على السجادات الحمراء، حيث كسر مشاهير مثل هاري ستايلز وألكسندر سكارسغارد القواعد التقليدية في إطلالاتهم.
مع ذلك، يكشف الجدل حول كنزة وردية واحدة، أن بدلة عمل من “إيسي مياكي” أو تنورة فاخرة من “ديور” لا تزال، بالنسبة لبعض الرجال، خطوة صعبة التقبّل، رغم بقاء البدائل الكلاسيكية متاحة لمن يفضّلها.
في عروض باريس، قدّمت “آمي باريس” مجموعة استلهمت من مكعب روبيك، حيث أوضح مؤسس الدار ألكسندر ماتيوسي أن تغيير تفصيل صغير قادر على قلب الإطلالة بالكامل، وهي الفكرة التي حكمت المجموعة من حيث الألوان والتركيب والمزاج العام.
أما “لويس فويتون”، بقيادة فاريل ويليامز، فركّزت على مفهوم “الحياة الخالدة”، عبر كنزات متدرجة الألوان وإكسسوارات جلدية مزخرفة، في عرض جمع بين البساطة والرمزية. وفي “ديور”، قدّم جوناثان أندرسون مجموعته الثانية للملابس الرجالية، مستلهماً الأنمي الياباني، مع سترات لامعة، وسراويل مطبوعة، وأقمشة مخملية وجاكار، بحضور لافت لمشاهير من عالم السينما والرياضة.
بدورها، ذهبت “كوم دي غارسون” إلى أقصى حدود التجريب، عبر أقفاص للوجه وملابس أحادية اللون مزدانة بالكشكش، فيما قدّم مايك أميرِي تصاميم أكثر عفوية، مؤكداً أن الأناقة الرجالية تصبح أكثر جاذبية حين تبدو بلا تكلّف، وتعكس شخصية من يرتديها.
وفي اتجاه أكثر هدوءاً، قدّمت “ليمير” ملابس يومية من خامات متينة وناعمة، بينما شكّل عرض “هيرمس” لخريف–شتاء 2026 محطة وداع للمديرة الإبداعية فيرونيك نيشانيان بعد 38 عاماً، مع تركيز واضح على العملية والحرفية الجلدية.
أما “جاكيموس”، فحافظ على هويته المعروفة بالقصّات المميّزة والقبعات الدائرية، مطوّراً نقشة “البولكا دوت” إلى تصميم بصري يوحي بالحركة والتمرّد.
في المحصلة، تعكس هذه العروض صراعاً يتجاوز القماش والألوان، صراعاً على معنى الرجولة وحدودها، وعلى ما إذا كانت الموضة مجرد انعكاس للواقع، أم أداة لتفكيكه وإعادة تخيّله.





