بعد 18 شهرا فقط من توليه رئاسة الحكومة، يواجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أخطر اختبار في مسيرته السياسية، وسط حديث متصاعد داخل حزب العمال ودوائر القرار في لندن عن احتمال إجباره على الاستقالة، في أزمة تهدد بإسقاط أول حكومة عمالية بعد عودة الحزب إلى السلطة.
وكان حزب العمال قد حقق، في انتخابات عام 2024، فوزا انتخابيا ساحقا أنهى 14 عاما من حكم المحافظين، وحصد أغلبية برلمانية وُصفت بأنها من الأكبر في تاريخ بريطانيا الحديث، ما رفع سقف التوقعات بمرحلة استقرار سياسي وإصلاحات عميقة.
غير أن هذا الانتصار تحوّل، خلال فترة وجيزة، إلى عبء سياسي ثقيل، إذ تُظهر استطلاعات الرأي تراجعا حادا في شعبية ستارمر، بينما بدأ نواب وقيادات داخل حزبه يشككون علنا في خياراته وقدرته على الاستمرار، في مشهد يعكس حالة اهتزاز غير مسبوقة داخل الحزب الحاكم.
وينقل تقرير لوكالة بلومبيرغ عن أحد المؤيدين السابقين لستارمر قوله إن التراجع عن سياسات الرعاية الاجتماعية العام الماضي شكّل نقطة التحول الحاسمة، لأنه كشف، بحسب تعبيره، عن ضعف في القناعة بالمشروع السياسي الذي قُدّم للناخبين، فيما أقر مسؤول حزبي بأن حزب العمال تسلم بلدا في وضع متدهور، لكنه لم ينجح في إظهار فارق جوهري عن أداء المحافظين، رغم تعهداته بإعادة الانضباط إلى السياسة البريطانية.
وجاءت استقالة مورغان ماكسويني، مدير مكتب رئيس الوزراء، على خلفية تداعيات ما عُرف بـ”فضيحة إبستين”، لتفجّر الأزمة على نحو أوسع، خاصة أن ستارمر اعتمد منذ توليه السلطة على دائرة ضيقة في إدارة الحكم، كان ماكسويني في قلبها.
ولا يُعد ماكسويني، البالغ من العمر 48 عاما، مجرد مستشار عابر، إذ يُنظر إليه داخل حزب العمال بوصفه العقل السياسي المدبر لصعود ستارمر، فقد رافقه منذ سباق قيادة الحزب، مرورًا بسنوات المعارضة، وصولا إلى الفوز الكاسح في انتخابات 2024، قبل أن يتولى رسميا إدارة مكتب رئيس الوزراء في أكتوبر من العام نفسه. واعتبرت هيئة الإذاعة البريطانية أن من الصعب المبالغة في تقدير دوره المركزي في صياغة القيادة السياسية لستارمر، إلى حد ترسخ قناعة داخل الحزب بأن بقاء رئيس الوزراء بات مرتبطا ببقائه.
واستقال ماكسويني معلنا تحمّله مسؤولية تعيين بيتر ماندلسون سفيرا لبريطانيا لدى واشنطن، بعد انكشاف علاقات وثيقة ربطت ماندلسون بالملياردير الأميركي الراحل جيفري إبستين، المتهم بجرائم جنسية والاتجار بالقاصرات، وهي القضية التي دفعت ستارمر إلى تقديم اعتذار علني لضحايا إبستين، مقرّا بأنه أخطأ حين وثق بماندلسون وعيّنه في هذا المنصب الحساس.
وتصف وسائل إعلام بريطانية وضع ستارمر الحالي بأنه بالغ السيولة والتقلب، مع اعتراف حلفائه المقربين بأنه يواجه لحظة سياسية شديدة الخطورة، في وقت نقلت فيه بلومبيرغ عن أحدهم أن فرص بقائه في منصبه حتى نهاية الأسبوع باتت متساوية، بينما يرى آخرون أن استمراره حتى مايو المقبل مشروط بحالة من الشلل السياسي تسمح لمنافسيه بترتيب صفوفهم.
وفي خضم هذا الاضطراب، تُطرح أسماء عدة لخلافته داخل حزب العمال، تتقدمها نائبة رئيس الوزراء أنجيلا راينر بوصفها المرشحة الأبرز، إلى جانب إد ميليباند، وشبانة محمود، وإيفيت كوبر، وويس ستريتينغ، وجون هيلي، وسط صراع داخلي حاد، خصوصا في جناح الحزب اليميني الذي يسعى إلى عرقلة صعود راينر.
اقتصاديا، يحذّر مقربون من ستارمر من أن أي تغيير مفاجئ في القيادة قد يُحدث صدمة في الأسواق البريطانية، معتبرين أن تولي شخصيات مثل راينر أو ميليباند رئاسة الحكومة دون انتخابات عامة جديدة يفتقر إلى الشرعية السياسية، وهو ما قد يفرض الذهاب إلى صناديق الاقتراع في وقت بالغ الحساسية.
وفي موازاة الأزمة العمالية، يستغل اليمين البريطاني، ولا سيما زعيم حزب الإصلاح نايجل فاراج، حالة الفوضى داخل حزب العمال، إذ يرى أن نهاية ستارمر باتت قريبة، ويعمل على تقديم حزبه، الذي كان هامشيا قبل سنوات، كبديل للناخبين الساخطين على الأحزاب التقليدية، مستفيدا من تصدره بعض استطلاعات الرأي.
وفي المحصلة، تكشف أزمة كير ستارمر عن خلل بنيوي في قدرة حزب العمال على الانتقال من معارضة فعالة إلى حكم مستقر، وبين الانقسامات الداخلية وصعود الخطاب الشعبوي، يواجه الحزب الحاكم اختبارا مصيريا قد يعيد رسم ملامح المشهد السياسي البريطاني في السنوات المقبلة.





