يلقي التنافس المتصاعد بين السعودية والإمارات في منطقة القرن الأفريقي بظلاله على أعمال قمة الاتحاد الأفريقي المنعقدة في أديس أبابا، في وقت يرجّح فيه دبلوماسيون وخبراء أن يسعى معظم القادة الأفارقة إلى تجنب الاصطفاف العلني إلى جانب أي من الطرفين، خشية انزلاق المنطقة إلى مزيد من الاستقطاب.
وبحسب تسعة دبلوماسيين وخبراء تحدثوا لوكالة Reuters، فإن الخلاف الذي بدأ على خلفية الحرب في اليمن تمدد عبر البحر الأحمر ليطال واحدة من أكثر مناطق أفريقيا هشاشة، حيث تتقاطع الحروب في السودان والصومال، والتوترات بين إثيوبيا وإريتريا، والانقسام المزمن في ليبيا، مع مصالح إقليمية متشابكة.
نفوذ إماراتي وصعود سعودي حذر
خلال السنوات الأخيرة، عززت الإمارات حضورها في دول القرن الأفريقي، ولا سيما السودان والصومال وإثيوبيا وإريتريا وجيبوتي، عبر استثمارات بمليارات الدولارات، وتحركات دبلوماسية نشطة، ودعم عسكري غير معلن، ما منحها ثقلاً سياسياً وأمنياً متزايداً في منطقة تطل على ممرات بحرية حيوية مثل البحر الأحمر وخليج عدن.
في المقابل، تبدو السعودية أكثر تحفظاً في انخراطها المباشر، غير أن دبلوماسيين يؤكدون أنها تعمل على بناء شبكة تحالفات تضم مصر وتركيا وقطر، في مسعى لموازنة النفوذ الإماراتي. ونقل عن دبلوماسي أفريقي رفيع قوله إن الرياض “استفاقت وأدركت أنها قد تفقد السيطرة على البحر الأحمر، بعدما عززت أبوظبي نفوذها في القرن الأفريقي”.
ومع أن التنافس انطلق من ساحل البحر الأحمر، فإنه امتد تدريجياً إلى عمق الإقليم، ليشمل الصومال والسودان ومنطقة الساحل، وفق مصادر دبلوماسية.
اصطفافات قسرية ومخاوف إقليمية
يرى دبلوماسيون أن جذور النزاعات في القرن الأفريقي محلية في الأساس، لكن تدخل القوتين الخليجيتين يدفع دولاً وأقاليم وحتى قيادات عسكرية إلى الاصطفاف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مع أحد المعسكرين.
وأوضح الخبير في شؤون القرن الأفريقي بجامعة ماريلاند، مايكل ولد مريم، أن أطرافاً رئيسية في المنطقة، بينها إريتريا وجيبوتي والصومال والقوات المسلحة السودانية، تبدي قلقاً متزايداً من السياسة الخارجية الإماراتية التي وصفها بـ”القوية”. وأضاف أن السعودية قد تسعى إلى تقليص نفوذ أبوظبي، غير أن الأخيرة تمتلك حضوراً عسكرياً وروابط مالية واسعة تمنحها أفضلية ميدانية.
ويقول مسؤولون سعوديون إن أنشطة الإمارات في اليمن والقرن الأفريقي تمسّ أمن المملكة القومي، بينما يؤكد مسؤولون إماراتيون أن استراتيجيتهم تعزز استقرار الدول في مواجهة الجماعات المتطرفة. في المقابل، يرى خبراء أمميون ومسؤولون غربيون أن بعض تلك التحركات ساهمت أحياناً في تأجيج الصراعات أو تمكين قادة ذوي نزعات سلطوية، وهو ما تنفيه أبوظبي.
السودان والصومال وإثيوبيا… ساحات تنافس مفتوح
يمثل النزاع في السودان أبرز تجليات هذا الاستقطاب، إذ تشير تقديرات إلى دعم إماراتي لقوات الدعم السريع، مقابل اصطفاف دول قريبة من السعودية خلف القوات المسلحة السودانية. وتفيد تقارير أمنية بأن مصر، الحليفة للرياض، نشرت طائرات مسيّرة تركية الصنع على حدودها واستخدمتها ضد قوات الدعم السريع.
وفي الصومال، تصاعد التوتر عقب اعتراف إسرائيل باستقلال أرض الصومال، إذ قطعت مقديشو علاقاتها مع أبوظبي متهمة إياها بالتأثير في القرار، ثم أبرمت اتفاقية دفاعية مع قطر، بينما أرسلت تركيا طائرات مقاتلة إلى العاصمة في استعراض للقوة.
أما في إثيوبيا، التي تستضيف قمة الاتحاد الأفريقي، فتزداد المخاوف من تجدد الحرب مع إريتريا، في وقت اعتبر فيه محللون زيارة الرئيس الإريتري إلى الرياض مؤشراً على تقارب مع السعودية. كما أفادت تقارير بأن إثيوبيا تستضيف معسكراً سرياً لتدريب مقاتلين من قوات الدعم السريع، دون تعليق رسمي من أديس أبابا.
قمة مثقلة بالأزمات
رغم أن جدول أعمال القمة يتضمن ملفات ملحة، مثل الحرب في جمهورية الكونغو الديمقراطية وتصاعد تمردات مرتبطة بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية في منطقة الساحل، يرجّح مراقبون أن يحتل ملف القرن الأفريقي موقع الصدارة، نظراً لتشابكه مع صراع نفوذ إقليمي أوسع.
وقال أليكس روندوس، المبعوث الخاص السابق للاتحاد الأوروبي إلى المنطقة، إن القرن الأفريقي تحول إلى ساحة فرعية لتنافس الشرق الأوسط، متسائلاً عما إذا كانت القوى الخليجية تدرك تداعيات هذا المسار، وما إذا كانت دول الإقليم ستسمح بأن يمزقها صراع خارجي تدعمه حسابات داخلية.
في المحصلة، تقف القارة أمام اختبار دقيق، إذ تحاول عواصمها تجنب الانزلاق إلى محورين متقابلين، بينما تتكثف رهانات الرياض وأبوظبي على منطقة تمثل بوابة استراتيجية بين أفريقيا والشرق الأوسط، وممراً حيوياً للتجارة والأمن الإقليمي.





